صرااااااع

دفعته آلامه و أسقطته. حاول الوقوف و لكن جروحه أعجزته. تحسس جسده في ألم و أذهله ما لم يجد... لم يجد جرحا واحداً و لكن مازالت جروحه تؤلمه. سقطت رأسه علي صدرة و خارت قواه. كل ما يذكره أنه ترك حبيبه وسط الظلام. مد يده ليمسك به و يحتضنه و لكن خانه إحساسه و أمسك الهواء. ما زال يري حبيبه الذي يعاني الآلام... مد يده ليمسك بحبيبه و يجتذبه من وسط الظلام...

انه يري شخصا راقداً علي حافة صخرية حادة تمزق جسده، و يمد يداه تمسك آخر لتحميه من السقوط و نبات الصبار يمزق ساعديه التي سالت عليهما الدماء. يقترب بنظره ليستشف ملامح ذاك الشخص الدامي... انه هو، و الدماء تسيل غريزة. يمسك حبيبه مانعا اياه من السقوط... صرخ ليخبر نفسه ألا يتركها....

عاصفة عاتية، تكاد تقتلع المركب الصغير و تلقيه في الماء... المركب يتخبط يمينا و يساراً و قد فقد ربانه السيطرة عليه. مذعورة جلست هي في أحد الأركان، و رائحة الموت تحيط بها في كل مكان. حائرٌ هو تخور قواه، يحتاج لمعونتها ليسيطر علي القارب، و يعلم جيداً أنها تحتاج عوناً أكثر لتستمر في الحياة. تمسك بدفة مركبه و مد يده لها، أن التقطيها، و لكنها جلست في ركنها تلطمها الأمواج. أمواج عاتية قاسية... يصرخ بها خذي يدي. لا تستسلمي للأمواج... و بدت ساهمة في أن وجودها يسبب له العناء، و هو يصرخ محاولا أن يبعد عنها الأفكار... يحتاج منها لحظة تمسك فيها يده فيجتذبها اليه. يمسك بها و يحتضنها و يتلقي عنها ضربات الأمواج. يحيطها بحبه و ولو للحظات، حتي لو مزقته الأمواج... يصرخ بها حبيبتي مدي يدك، مدي يدك...

مازال جسده يتمزق و هو ممسك بها، انه ترفض أن تتشبث بيده، ناظرةً الي الهوة السحيقة بصخورها الحادة تعلم تماماً أنها ستمزق جسدها و لكنها ترفض التشبث بيده. ألا تعلم أنه لن يتركها حتي لو لم يتبقي من جسده سوي العظام. شعرت بدماءه تسيل علي جسدها، صرخت بصوتها الواهن دعني أموت فما سببت لك الا العذاب، دعني فآلامك ستستمر بضع لحظة آه، دعني أموت , أنهي آلامي...

ترك دفة مركبه و قفز اليها. نظرت اليه بعينيها المتعبتين، تساءلت عيناها... أجابها انه لن يتركها حتي لو دفع حياته ثمنا رخيصا للحفاظ عليها. احاطه بذراعيه يحميها من الأمواج و هي ما زالت متخاذلة، ترتج المركب و يكاد يسقط بها، يتماسك و يطمئنها. يسير ببطء قاتل. تصامتت الأصوات و لم يعد يري سواها. يحاول أن يحميها مهما كانت العقبات، يسأل ربه أن يأخذ روحة و يحفظ روحها، أن يحطم قلبه و يشفي جروح قلبها. أن يسحق جسده و يحافظ علي جمالها...

أيتركها في وسط الظلمة، تصاعد التساؤل في رأسه مؤلماً و هي أمامه ترفض أن تمد يدها، أهاذا حقا ما تريده هي. أتود أن تعيش وسط الظلمة للأبد، تصاعدت أناتها و قالت أنها لن تستطيع هجر الظلمة فالقيود تكبلها. تقول أنها ستموت و الموت سيخلصها. و لماذا تموت هي فليمت هو، فإن كان هناك شخصا أحق بأن يموت فاليكن هو. فلربما كان في بعده سعادة لها. و ربما ببعده تنقلب الظلمة نوراً يضيء حياتها. و نظر حوله فهاله ما رأي، رأي فراغا مظلما يأكل ساكنيه، و جدها متألمة و تأكد انه لو مات و خلفها وراءه قتلها... رفع رأسه من علي صدره. رفع رأسه لينظر حوله، أهذا حبيبه قد استجمع قواه و وقف أهذا حبيبه أم أنها هلاوس محتضر...

لا تقولي دعني أموت، أوتريدني أن أقتلك... أنظر لدمائي تحتك تسطر كلمات في حبك ترجوك ألا تحتضر، أنني أعرف قوتك، أسمحلي أن أساعدكي... و لو سمحت لي ماذا بيدي، تشبث بي حبيبي. أعدك بأن أسعدك، أعدك بأن أعوضك... نظرت إليه في ألم، لسان حالها يقول لست تملك وعداً ولا أنا فالجرف عالٍ و دماءك تسيل، لن تستطيع الصمود الي الأبد. ستمل موقفك، وستكره ألمك، ستذبلني الذكريات و أنا في يدك. ردت عيناه، سأسقيك بيدي، سأسقي ظمأك من فؤادي. لا تخشي شيئا. سأحتمل. اليوم أرقد ممزقا علي الجبل. و غدا أحملك الي عالم مليء بالأمل...

يعرف في قلبه أنها تواجه العواصف و هو عاجزٌ إلا في أحلامه عن مساعدتها. لا يملك سوي كلمات يقولها لها. تتخبط هي في وسط النيران و هو لا يعرف ماذا يفعل ماذا يقول لها. لا يجد أمام نفسه أعذاراً تبرر عجزه المخزي عن اللحاق بها. أحقا ليس بيده شيئا يفعله. انه لا يختلف كثيراً عن غيره. ألقاها في وسط النيران و وقف يتألم لعذابها... يعلم أن الوقت طويلا أمامه للحاق بها... إنه يحبها، من قلبه يحبها. أحبها كما لم يحب أحدا من قبل، و كما لن يحب أحدا من بعد. تعلم علي يديها أسمي معاني الحب، تعلم اللهفة و الغيرة، تعلم الفرحة و الحزن. تعلم كيف يحب.

أهو أنانيه أم تضحية؟ تساءل في نفسه عن الحب. أيضحي بها من أجلها. هل ستكون سعيده لو داس علي قلبه و تركها؟ لا، ستذبل الزهرة و تموت اذا لم تمتد يده لسقياها. لا يعرف ماذا يفعل؟ لا يعرف إطلاقاً....

Comments

Post new comment

The content of this field is kept private and will not be shown publicly.